الاثنين 28-09-2020? - آخر تحديث الأحد 27-9-2020?
كيف كشف «دجاج أوكرانيا» أزمة وعيوب الجدار البيروقراطي في الأردن؟… سباق نخبوي نحو «الشعبوية»

 

شاهد تكملة الخبر في الأسفل 

 


 

جديد اب برس

 

 

 

 

 


 

- «القدس العربي»: لا يمكن معرفة ما حصل في اللحظات الأخيرة بعد التوسع المفاجئ بتشكيل لجان تحقيق في واقعة الدجاج الأردنية التي تتنافس في الحضور الشعبي والإعلامي مع أزمة المعلمين المتصاعدة. المؤشرات تؤكد حصول مساحة لا يستهان بها من الارتباك البيروقراطي لا علاقة لها فقط بالتلاوم وتبادل المسؤولية. وأهم ما نتج عنها هو تلك الانطباعات التي يمكن استنتاجها بعدما دخل على خط الاشتباك وبطريقة مربكة أيضاً رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز شخصياً. عملياً، يتعلق الأمر بموجة حر شديدة انتهت بحالات تسمم غذائي. ذلك يحصل في العالم، وسبق أن حصل في الأردن، وملف الشاورما والدجاج الأوكراني الملوث تحول على الطريقة المحلية إلى أزمة متدحرجة تكشف مجدداً قصوراً من الصعب تبريره على مستوى الأدوات والنخب وعلى مستوى التشبيك بين المؤسسات أيضاً. وعملياً في المقابل، لم يسبق لحادثة تلوث أو تسمم أن انتهت بتشكيل خمس لجان للتحقيق، حيث تصمت عادة وبموجب الدستور كل أصوات التحقق والتدقيق البيروقراطية أو تنتقل إلى الغرف المغلقة عندما تبدأ سلطات النيابة والقضاء المستقل بالمتابعة والتحقيق. هنا، ما كان ينبغي أن يحصل لم يحصل، فوزير الصحة الدكتور سعد جابر أمر بتشكيل لجنة للتحقيق ثم فوجئ الشارع برئيس الوزراء يأمر بتشكيل لجنة للتحقق لا يوجد فيها الوزير المختص وهو جابر، ويترأسها وزير التعليم العالي الدكتور محيي الدين توق، وإلى جانبه وزيران لا أحد يعلم بعد لماذا اختارهما الرزاز أصلاً في لجنة تحقيق وزارية داخلية أعلنها للرأي العام في قضية فنية، وهما وزير المياه رائد أبو السعود، ووزير العدل بسام التلهوني. رئيس لجنة الرزاز، الذي سيحقق في ملف قضية تتبع وزير الصحة وهو الدكتور توق، يحمل شهادة الدكتوراه في علم النفس التربوي، حسب زملاء له، ومهمة التحقيق في حادثة تلوث أو تسمم في الجزء الفني عملياً ومنطقياً سيتكفل بها عضوان في لجنة الرزاز لديهم علم وخبرة قريبة من الموضوع ولا يتمتعان بموقع وزاري أثارت تركيبة لجنة الرزاز برئاسة طوق الاستغراب، لكن يبدو أن الرزاز يحاول القول، عبر تلك اللجنة، بأن الهدف أن تكون حيادية، خصوصاً أن الرأي العام بدأ يضغط وبشدة وسط انتعاش مفاجئ لقضية الغذاء الفاسد. لا مصلحة إطلاقاً باندلاع أزمة بيروقراطية باسم فساد الغذاء الآن على الأقل، وإحدى المواطنات زادت من تعقيد المشهد عندما نشرت صوراً على «فيسبوك» لديدان تخرج من طبق بيض اشترته من مول تجاري معروف في العاصمة. بمعنى آخر، سينضم البيض مجدداً، كما حصل في الماضي إلى الدجاج الأوكراني المجهول، في صناعة أزمة تنفجر في حضن الرزاز في وقت حساس يحاول فيه الرجل الصمود بطاقمه قبل أن تظهر كشوفات رسمية أن شحنة الدجاج التي يقول اتحاد مربي الدواجن إنها ملوثة حظيت بموافقة دخول السوق من وزارتين، هما الصناعة والتجارة ثم الزراعة. أغلب التقدير أن حركة الرزاز في مسألة التسمم الغذائي منطلقة من ثلاثة عناصر، فالرجل يريد أن يوحي للشارع بأنه يتحرك، ولا يريد منح وزير الصحة سعد جابر فرصة الاسترخاء، فيما تتهم أجهزة وزارته بالتقصير شعبياً. وثالثاً، يبدو – وفقاً لقراءة تحليلية معمقة – أن الرزاز يشعر بأن أزمة الدجاج الفاسد صنعت بين أحضانه لأغراض تقليص فرصة حكومته بالبقاء. في كل حال، لا يعفي كل ذلك الحكومة برمتها من المسؤولية الأدبية؛ ففي ظرف غامض في شهر نيسان/ابريل الماضي وعلى نحو مفاجئ، قرر الرزاز تغييراً غريباً في رأس المؤسسة الرقابية المختصة بالغذاء والدواء وفي عمق أزمة كورونا، حيث تم الاستغناء عن بيروقراطي عنيد يدير تلك المؤسسة منذ ثماني سنوات ولديه خبرات متراكمة جداً هو الدكتور هايل عبيدات، وتم استبداله بمسؤول له علاقة بمشتريات الحكومة خارج الاختصاص. آنذاك، وبدون سابق إنذار، وأثناء تحضير عبيدات لأحد الاجتماعات الرسمية، اتصل به الوزير سعد جابر مبلغاً: «الله يعطيك العافية… سترتاح… قرر مجلس الوزراء ذلك». أزمة الدجاج والشاورما هنا أبرزت عبثية قرار تغيير الدكتور عبيدات فجأة في عمق مرحلة تتطلب خبيراً في الرقابة على الغذاء والدواء، خصوصاً أن الجناح الوزاري النافذ الذي يعاني اليوم من قصور في الرقابة على الغذاء ويتهمه الشارع هو الذي تمكن من الإطاحة بمفتشين خبراء بدون أن يوفر لهم الرزاز الحماية اللازمة. لكن عاصفة الفوضى البيروقراطية لا تقف عند هذه الحدود، فقد تسابق مسؤولون ووزراء في سلوك واضح لإعفاء أنفسهم من المسؤولية في مسألة الدجاج الأوكراني التي كشفت عيوباً أعمق من المتوقع في الجدار البيروقراطي في حكومة التيار المدني. هنا وزير الزراعة والبيئة، الدكتور صالح الخرابشة، طلب فجأة من هيئة مكافحة الفساد التحقيق في ادعاءات مذكرة نشرت باسم اتحاد مربي الدواجن النوعي، وفكرة لجنة برلمانية معنية بعقد اجتماع مع كل هذه اللجان الإدارية ينبغي أن تصمت حتى يصل ملف المسألة إلى سلطات القضاء والنيابة، حيث أعلن الخبير الدستوري نوفان العجارمة، عدم جواز التحقيق إدارياً في قضية ينظرها القضاء. يُظهر ذلك هشاشة بيروقراطية في جدران الحكومة، ويُظهر شعوراً عند بعض الوزراء بالرغبة في مغادرة سفينة أصبحت مرشحة للغرق أو الرسو على ميناء الاحتياط، ويُظهر أيضاً انفلاتاً في التعبير الدستوري عن شكل الإجراء البيروقراطي، كما يظهر رغبة جامحة أكثر من المتوقع عند وزراء في مخـاطبة غرائز الـشارع. كل ذلك يحصل على الطريقة المحلية. ورغم أن الحكاية برمتها تتعلق بحادث تسمم جماعي أدى إلى وفاتين وتمكنت السلطات الصحية ثم الأمنية والرقابية من التعامل معها وبكفاءة، كان ينبغي أن تشهد لنفسها بنفسها بدلاً من الاسترسال في لعبة الشعبوية وبروز عقدة الخوف الفردي والجماعي من توظيف ملف الدجاج الفاسد لأغراض المفرقعات الإعلامية والسياسية.